بعد (38) يوماً من الحراك النضالي المنظم ل ( 4780 ) أسير فلسطيني، والذي تضمن فعاليات نضالية مبرمجه، من قبل لجنة الطوارئ العليا للحركة الأسيرة ، في إطار عصيان متدحرج، شمل إغلاق الأقسام في فترات محددة، وفق هدف رمزي بشأن وقف مظاهر الحياة الاعتقالية وخلق واقع استنزافي للسجان الصهيوني، وارتداء جميع الأسرى لباس الشاباص الموحد، وإعادة وجبات الطعام، والهتافات في ساعة محددة، وعمليات الإرباك الليلي" الخ كخطوات تسخين للبدء في الإضراب التاريخي في أول يوم من أيام شهر رمضان، رداً على إجراءات ما يسمى بوزير الأمن القومي "إيتمار بن غفير" التنكيلية والإجرامية، جاء هذا الحراك ليحقق أهدافه، دون الحاجة لإعلان الإضراب في كافة المعتقلات، بعد أن رضخت إدارة مصلحة السجون لمطالب الحركة الأسيرة.
لقد أدركت الحركة الأسيرة أبعاد وتداعيات وخطورة إجراءات "بن غفير" التنكيلية التي شرع في ترجمتها منذ بداية توليه مهامه وزيراً للأمن القومي الإسرائيلي، ممثلةً بسعيه لإقرار عقوبة الإعدام بحق الأسرى، الذي قتلوا مستوطنين وجنود إسرائيليين في عملياتهم الفدائية، وسحب كافة الإنجازات التي حققها الأسرى بإضرابات الأمعاء الخاوية، إذ زار بعد يوم واحد من تسلمه مهام منصبه سجن نفحة الصحراوي – وهو واحد من أقدم المعتقلات الصهيونية، واجتمع هناك مع ضباط وقادة مديرية السجون، أعطى خلال اجتماعه معهم تعليمات تقضي بتشديد الإجراءات ضد الأسرى، والبدء فورًا في التضييق عليهم، على نحو: إغلاق بعض المرافق، وتكبيل يد كل أسير عند خروجه من القسم حتى وإن كان خارجاً من عيادة السجن، وحرمان الأسرى من الخروج لأداء الرياضة الصباحية، وتقليل فترة الفورة، وحرمان الأسرى من استخدام الماء الساخن والخبز الطازج، وسحب بعض الأدوات الأساسية من الغرف، وسحب بلاطات التسخين، وغيرها من الإجراءات التي تكشف مدى بشاعة الاحتلال وعنصريته وتجرده من أية قيم إنسانية.
وأمام خطورة هذه الإجراءات ،كونها تسعى لإلغاء كافة الإنجازات التي حققتها الحركة الأسيرة، منذ إضراب سجن الرملة عام 1968، مروراً بسلسلة الإضرابات الممتدة على مدى أربعة عقود: في معتقلات كفار يونا، ونفي تريستا، وعسقلان، ونفحة، وجنيد، وإضراب عام 1995 الشامل (18) يوما، وإضراب عام 2000 الشامل (30) يوماً، وإضراب 2004 الشامل (19) يوما، وإضراب هداريم، والإضراب الشامل عام 2011 والإضراب الشامل عام 2016 وحتى اللحظة الراهنة، لجأت قيادة الحركة الأسيرة للتهديد ليس بالإضراب فقط، بل بالتحذير من اندلاع لهيب في عموم المنطقة، ومن انتفاضة شاملة في عموم الضفة الغربية.
وقد تجلى هذا التهديد في الرسالة التحذيرية التي وجهتها قيادة الحركة الأسيرة إلى مديرية مصلحة السجون الإسرائيلية باللغة العبرية في 14 شباط (فبراير) الماضي، وحذرت فيها من أن الإجراءات التنكيلية "ستؤدي إلى اندلاع اللهيب في المنطقة"، خاصة أن دوافعها عنصرية ونابعة من الرغبة في كسر إرادتهم وإذلالهم، وهي "تخدم أهدافًا ومآرب سياسية بعد أن أثبت بن غفير فشله في تحقيق الأمن للإسرائيليين"، جراء تصعيد عمليات المقاومة في الضفة الغربية، بعد أن وضع نفسه رأس حربة للحكومة الفاشية، عبر تمريره وقيادته هذه الحملة.
وحذر البيان "بن غفير" "بأنه سيكون هو المسؤول عن "الأبعاد التي ستكون أكثر بكثير مما يظنون لأننا نحن أسرى تحرير، ولن نقبل أن نغرق في تفاصيل ظروف حياتنا، على كسرة خبز هنا أو هناك، أو على مياه الحمام، نحن نحارب من أجل قضيتنا وتحريرنا، والذي قرر نقل المعركة من خارج السجون إلى داخلها، سيضطر إلى خوضها وجهًا لوجه خارج أسوار المعتقل، في القدس والضفة الغربية وغزة".
وكانت قيادة الحركة الأسيرة "لجنة الطوارئ العليا للحركة الأسيرة" قد انتدبت ممثلين عنها لمفاوضة إدارة مصلحة السجون، بشأن إلغاء كافة الإجراءات القمعية التي أعلن عنها "إيتمار بن غفير" والتي تلغي كافة الانجازات التي حققتها الحركة الأسيرة في محطاتها وانتفاضاتها السابقة، إن على صعيد الزيارات والعلاج والكنتينة وتوفير الكتب ومشاهدة التلفزيون ومتابعة الدراسة.. الخ.
وقد خاض ممثلو الحركة الأسيرة- وهم مضربون عن الطعام -مفاوضات صعبة مع إدارة مصلحة السجون لعدة أيام، ولم يتراجعوا عن أي مطلب من مطالبهم، ما أجبر إدارة مصلحة المعتقلات الصهيونية، للرضوخ لمطالب الحركة الأسيرة، وفق اتفاق مكتوب يشل يد الإرهابي "إيتمار بن غفير" في إصدار التعليمات التي تستهدف إذلال الأسرى وممارسة أعلى درجات التنكيل بهم.
لقد نجحت الحركة الأسيرة في إعادة الأمور إلى ما كانت عليه، قبل شروع بن غفير في إجراءاته الأخيرة ارتباطاً بالعوامل التالية:
أولاً: وحدة الحركة الأسيرة الفلسطينية في الداخل وعدم تأثرها بالانقسام السياسي في الخارج بين حركتي فتح وحماس، حيث ينضوي في إطار لجنة الطوارئ العليا للحركة الأسيرة ممثلون عن كافة الفصائل الفلسطينية "فتح، حماس، الجبهة الشعبية، الجهاد الاسلامي، الجبهة الديمقراطية، حزب الشعب وغيرها من المكونات السياسية الفلسطينية..".
ثانياً: التزام كافة الأسرى في تنفيذ البرنامج النضالي المتفق عليه في كافة المعتقلات، ما أربك إدارة مصلحة السجون، والشرطة الموضوعة بتصرفها، ووضعتها في حالة استنفار ودفعها للتصرف بهستيرية اتجاه الأسرى، كاشفةً عن أسوأ ما في جعبة الاحتلال من إجراءات تنكيلية وعنصرية، وبدا المشهد في المعتقلات غايةً في الثورية، بحيث بات الأسرى في موقع الفعل والسجان في موقع رد الفعل.
ثالثاُ: وقوف الفصائل الفلسطينية والجماهير الفلسطينية في الضفة والشتات ومناطق 1948، إلى جانب الحركة الأسيرة في عصيانها، وذلك عبر المسيرات والاعتصامات والمهرجانات التضامنية، وذلك في سياق التزامها بالبرنامج الذي حددته قيادة الحركة الأسيرة للفعاليات في الخارج.
رابعاً: اختيار "لجنة الطوارئ العليا للحركة الأسيرة" اللحظة السياسية لعصيانها النضالي ممثلةً بالأزمة الداخلية، التي تعصف بالكيان الصهيوني، على خلفية الانقلاب القضائي الذي تزمع حكومة الائتلاف اليميني المتطرف تمريره من خلال "الكنيست"، إذ أن تنفيذ الإضراب في مطلع شهر رمضان، كان سيفاقم من أزمة الكيان الصهيوني ليصبع أمام ثلاث تحديات: تحدي الانقسام الداخلي، وتحدي انتفاضة الأسرى، وتحدي الانتفاضة المسلحة التي تشق طريقها في مختلف أرجاء الضفة الغربية... واختيار هذه اللحظة ساهم إلى حد كبير في خضوع مصلحة السجون لمطالب الأسرى.

